فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟ قلنا معنى قوله : * ( فأزلهما ) * أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى : * ( فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ) * ( نوح : 6 ) . فقال تعالى حاكياً عن إبليس : * ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) * ( إبراهيم : 22 ) ، هذا ما قاله المعتزلة . والتحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مراراً أن الإنسان قادر على الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدراً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه ، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحة ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلاً بالفعل ، فلهذا المعنى انضاف الفعل ههنا إلى الوسوسة ، وما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس ، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة من ! وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض ، فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه الله تعالى ابتداء ، وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله : * ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) * ( الأعراف : 155 ) . السؤال الثاني : كيف كانت تلك الوسوسة ، الجواب : أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله : * ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) * ( الأعراف : 20 ) ، فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال : * ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) * ( الأعراف : 21 ) ، فلم يصدقاه أيضاً ، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل ، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت . أما قوله تعالى : * ( وقلنا اهبطوا ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل ، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره ، كقوله : * ( اهبطوا مصراً ) * ( البقرة : 61 ) . المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوهاً : الأول : وهو قول الأكثرين : أن إبليس داخل فيه أيضاً قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله : * ( فأزلهما الشيطان عنها ) * أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا . وأما قوله تعالى : * ( بعضكم لبعض عدو ) * فهذا تعريف لآدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال : * ( فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) * ( طه : 117 ) ، فإن قيل : إن إبليس لما أبى من السجود صار كافراً